نظّم "النّادي الثقافيّ العربيّ" في مقرّه الرئيسيّ في منطقة الحمراء بتاريخ 16 كانون الثاني 2026، ندوة فكريّة سياسيّة بعنوان" الطائف في عقده الرابع: سؤال الصلاحيّة والإصلاح"، شارك فيها د.فارس سعيد، د. رزق زغيب، وأدارتها د. لينا التنير. وذلك بحضور نخبة من رجالات السياسة والقانون يتقدّمهم دولة الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس تمّام سلام.
/فارس سعيد: لبنانُ وطنٌ نهائيٌّ لجميعِ أبنائه
يشرّفني أن أتكلّم في السياسية في هذا الدار الثقافي العريق - النادي الثقافي العربي - بدعوةٍ كريمة من الصديق الوزير حسن منيمنة.
سأتكلّمُ عن موضوعٍ محبّب على قلبي، لأني من جيلٍ عرِف قبل الحرب وخلالها وبعدها المتغيّرات التي طرأت على مجتمعِنا اللبناني والعربي، واكتسبتُ مع الأيامِ خبرةً متواضعة في السياسية.
أمّا في الثقافة السياسية، فهي ورشةٌ دائمة أعملُ عليها يومياً، وكلما تقدّمتُ اكتشفُ كم أنا بعيدٌ عن المعرفة والعلم.
هناك شائعةٌ في لبنان / أو ربما "إشاعة"، عُمرُها من عُمرِ "لبنان الكبير"، ومَفَادُها أنّ لبنانَ الكبيرَهذا، بوَصفِهِ اختراعاَ مسيحياً، ومارونياً بالأخصّ وبالتّحديد، إنما وُجِدَ ليخدِمَ "لبنان الصغير"، بِضمِّ مساحاتٍ جغرافيةٍ وديموغرافيةٍ إليه، في لحظةٍ دولية مؤاتية، من شأنها - أي هذه المساحات - أن توفّرَ له مواردَ وإطلالاتٍ على العالم، بما في ذلك من موانئَ وأراضٍ، تُحصِّنُه من أخطارِ الانعزالِ والذّوبانِ والمجاعة في آنٍ معاً، كما تحفظُ له الوجودَ الحرّ.
والحال أن هذه الشائعة قد طالت واستطالت في الزمنِ والوقائع والانطباع Percéption، حتى باتت جزءاً من "سرديّةٍ جماعية" على جانبَي التكوين اللبناني الحديث: فكثيرٌ من المسيحيين استطابوا هذه السرديّة وأوغلوا في أنانيّتها، وكثيرٌ من المسلمين صدّقوها وأوغلوا في كراهيَتها والشكوى منها حتى حدودِ رفضِ لبنان الكبيرِ والصغير معاً.
قُلنا إن هذه السرديّة عمّرت طويلاً، أكان بصورةٍ مًضمَرة أم مُعلنة. هي مُضمرةٌ في حالات الاستقرار والرخاء النسبيّين، ومُعلنةٌ في حالات التأزّم..
دخلت على هذه السرديّة اللبنانية أيضاً نظرية الأكثرية والأقليّة.
قدّمت لنا التجربة التاريخية في مرحتها الأولى ما بين التأسيس عام 1920 وبين الاستقلال والميثاق الوطني عام 1943 - قدَّمت إجابةً واضحة هي أن التأسيسَ والاستقلال حقّقهما لقاءُ أقليّتين متضامنتين في الخيار والسير معاً، مقابلَ أكثريتين متنافرتين في الجانبين. ورغمَ مأثِرةِ التأسيس والاستقلال، فقد ظلّت وساوسُ الأكثريتين "شغّالة" على قدمٍ وساق، تارةً بذريعةِ الغُبنِ وضَعفِ المشاركة، وطَوراً بذريعةِ الهواجس، وفي وقتٍ لاحق بعد تقلّبات الأزمنة والموازين بقَولِ بعضِهم أنّ صيغة العيش هذه، في مِثلِ هذه الدولة، أصبحت ضيّقة على عَرضِ أكتافنا والعضلات!... هذا ولم تَخلُ شكاوى الشّاكين من تبادُلِ الأدوار..
مرّةً أخرى طالَ العُسرُ اللبناني le malaise libanais، مروراً بما اصطلحنا على تسميته بالفتنة الأهلية 1958، متراكبةً على أحلافٍ خارجية ومستقويةً بها، وصولاً إلى مَشارِف حرب الخمسَ عشرة سنة (1975-1990).
لم تُبقِ الحربُ شيئاً على شيء ، كما عَلِمنا وذُقنا جميعاً دونَ استثناء ، ثم جاءت وثيقةِ الوفاق الوطني في الطائف، لتُصحِّح السردية بقَولِها: "لبنانُ وطنٌ نهائيٌّ لجميعِ أبنائه (مَطلبٌ مسيحيٌّ بامتياز، وعقيدة)، عربيُّ الهويةِ والانتماء (مَطلبٌ إسلاميٌّ بامتياز، وعقيدة)". هكذا يكون اتفاقُ الطائف قد أعادَ فَهمَ السردية، أو أنه أعاد إقامةَ الصيغة اللبنانية على قدمين اثنتين بدلاً من قدمٍ واحدة، تسيران معاً وفي اتجاه واحد، كما "أعاد إقامتَها على العدل والإنصاف، لاسيما بعدَ أن غنّى كلُّ فريق موّالّه إلى الأخير وشربَ كأسّه حتى الثمالة"، على قولِ كمال الصليبي.
والحقُّ يُقال أيضاً، أن فلسفةَ اتفاق الطائف أرادت أن تدحضَ فكرةً تسلّلت إلى بعض العقول، مفادُها أنّ أصلَ المشكلة يكمن في التعدّدية اللبنانية ذاتِها. أنا مع فلسفة الطائف التي تقول، بعد استخلاص العِبَر من الواقع والتجارب: ليست المشكلةُ في التعدّد ذاته، الذي هو مصدرُ غنىً وثراء، كما هو من شروطِ أن يكون للبنان معنىً ودورٌ ورسالة، ولكنّ المشكلة هي في سوءِ إدارةِ هذا التعدد.. ولنَقُلْ إِنّ فشَلَ و/ أو تقصيرَ الإدارات المتعاقبةِ على هذه "اللبنانية الصعبة" كان من شأنها (الفشل والتقصير) أن صبّا زيتاً على القلق الأصليّ الذي اكتنف ولادة الصيغة ورافقتها. وفي سياق هذه الجلجلة المتمادية لا نبرِّئُ طرفاً من مسؤولية تأجيج القلق، سواءٌ بركوبِهِ التطرُّفَ من خوفٍ أو طمع، أو بِقلَّةِ صَبْره في التاريخ وعلى التاريخ.. ولعلّ اللحظة اللبنانية الراهنة، بما يشوبُها من تسرُّعِ البعض في الذهابِ إلى نهاياتٍ حاسمة، مع استدارةِ الزمان دورةً كاملة وانقلابِ الموازين في المنطقةِ برُمَّتها - أقول لعلّ تسرُّع البعض في هذه اللحظة يقدّمُ شاهداً على قلّةِ صبرنا في التاريخ وعلى التاريخ.
أيها الاخوة،
نحن لسنا أمام أزمة نظام سياسي كما يرى البعض، وقد ثبُت ذلك بالتجربة، إنما أمام أزمة إدارة سياسية بامتياز.
ذلك أن هذا النظام، بما هو عقدٌ وطنيٌ ودستور، قد وُضِع منذ البداية وحتى الآن تحت وصايتين على التوالي، وقد تنَكّرنا له على الدوام: وصاية النطام السوري الذي اعتبر لبنان محافظة سورية، ومن ثم وضع يد ايرانية مسلحة انتهت إلى وصاية حتى حدود الاحتلال بحكم الواقع.
وفي الحالتين بقي لبنان يعيش أجواء حربٍ باردة بين أطيافه تحت خطر تحوّلها إلى حربٍ ساخنة في أي وقت.
أيها الإخوة والأصدقاء،
أعترفُ أننا استسهلنا استخدام كلمة "علمانية"، واعتبرنا أنها الحلّ لوضع حدّ للواقع الطائفي الذي يتحكّم ببناء الدولة.
واليوم هناك فريقٌ لم يعترف أساساً بوحدة البلد يتكلّم عن اللامركزية الإدارية قاصداً تقسيم لبنان تحت حجّة أننا لا "نُشبِه بعضنا".
أنا لستُ لا مع هذا ولا ذاك،
في فرنسا، بلدُ العلمانية منذ العام 1905 وبلدُ اللامركزية الادارية الموسعة معاً، ورغم هذا الواقع لا تعرف الدولةُ كيفية التعامل مع المواطنين الفرنسيين ذات الأصول العربية والإسلامية. فهناك من يتكلّم عن الإسلام الفرنسي، وآخر عن الإسلام في فرنسا...
خياري اليوم هو اتفاق الطائف، الذي إذا ما طُبِّقَ يؤمّن الحقوق للمواطنين الأفراد من خلال مجلس نيابي محرّر من القيد الطائفي ومجلس شيوخ منتخب على قاعدة طائفية يؤمّن الضمانات للجماعات الطائفية.
إن التطبيق الاستنسابي للدستور من قبل الوصايتين لم يسمح لا بتبرئة النفوس ولا بإصلاح تدريجي، بل فاقم الهواجس والظنون وكثّرها.
اليوم وبعد اشتعال الحرب واستمرارها، هناك دورٌ أساسيٌ للجامعات الكبرى والصغرى في لبنان، بالإضافة إلى نقابات المهن الحرة والقطاعات الانتاجية والتجارية؛ كل هذه المؤسسات مدعوّة إلى الاجتماع فوراً والتفكير في ابتكار أشكالٍ جديدة تساعد لبنان في الدخول مجدداً إلى نظام المصلحة العربية الجديد الذي ترتسم معالمه بعد حرب "طوفان الأقصى" و"الاسناد" وسقوط نظام الأسد، وقمة شرم الشيخ وزيارة الامير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة وزيارة البابا إلى بيروت...
أيها الاصدقاء، تلك هي شهادتي المارونية، اللبنانية، العربية التي رأيتُ من واجبي أن أقدمها بهذه المناسبة وفي هذه اللحظة الاشكالية الحرجة بالذات. وهذه الشهادة لا ينبغي أن يفوتَها التوقُّفُ
عند شهادةٍ عُظمى قدّمها المجمعُ البطريركي الماروني عام 2006، في معرضِ مراجعته العميقة للتجربة اللبنانية من منظورٍ إيمانيّ مسيحيّ، حيث قال ما فَحواه وخلاصتُه: لم يكن خيارُ العيش المشترك في لبنانَ الكبير الذي كانَ لنا شرفُ المبادرةِ والدعوة إليه - لم يكن هذا الخيار بدافعِ مصلحةٍ أنانية، على ما ظنّ كثيرون وارتكبوا إثمَ هذا الظنّ، وإنما كان من منطلقٍ إيمانيّ. ذلك أن أوجَبَ واجباتِ المؤمن، أيّ مؤمن، أن يَشهدَ لإيمانه في مختلف الأحوال. والشهادةُ للإيمان تكونُ أحسنَ ما تكون بالعيش مع الآخر المختلف، وليس بمعزلٍ عنه خلفَ أسوار الذات وفي بيئةٍ صافية. إذْ ما فضلُ المسلم مثلاً (و"ما المرجلة") في أن يشهد المسلمُ لإيمانه بجوار مكة، أو أن يشهد المسيحيُّ لإيمانه بجوار الفاتيكان؟!.. الفضلُ و"المرجلة" ههنا !
بهذه الكلمات، أو بمعناها، لم تُصحّح الكنيسةُ فقط سوءَ الفهم الذي شابَ السرديّة اللبنانية على الجانبين، وإنما دلّت أيضاً وخصوصاً على طريق المصالحة في ذاِت كلٍ منا بين إيمانه الدينيّ ووطنيته.
/رزق زغيب: إتفاق الطائف بات الضمانة الاكيدة لبقاء لبنان الذي نعرفه
أصحاب الدولة ،
أصحاب المعالي والسعادة،
الحضور الكريم ،
اسمحوا لي بداية بأن أكرر شكري للقيّمين على النادي الثقافي العربي على هذه الدعوة الكريمة وعلى الثقة العارمة التي ما برحوا يمنحوني إياها على مرّ الفصول والسنين ممّا ساهم على حدّ قول أحمد شوقي بإعلاء شأني والاكثار من حسّادي ،
فاجعلني كما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون
الشكر إذن على هذه الدعوة التي أتاحت لي فرصة اللقاء بهذا الجمع المميز في هذا الصرح العريق ومزاملة سياسيّ متمرّس ووطنيّ أصيل في الكلام الليلة، هو سعادة النائب السابق الدكتور فارس سعيد، الذي ما فاق تعدد ألقابه إلا كثرة خيباته جرّاء تخازل الأقربين أحياناً قبل الأبعدين . قد يتفق المرء مع آرائه أو قد يختلف، إلا أنه لا يستطيع أن ينكر عنه أنه من القلة الباقية التي ما زالت تحافظ على رصانة العمل السياسي وعلى حرفيته في زمن يتنطّح الطارئون والهواة لطرق باب الشأن العام طمعاً بوجاهة وظفراً بمكانة ، فمنهم من كانوا قُنّعاً بما نالوه من جاه النيابة والوزارة أو نُوّماً رافهين في وثير مِهادها .
كيف لا وهو ابن الدكتور أنطوان سعيد أحد الوجوه الواعدة للشهابية لولا لم توافيه المنيّة وهو في مقتبل العمر والعطاء الطبي والنيابي والذي يشير محضر جلسة رثائه في مجلس النواب في الثامن من أيار 1965 الذي تناوب فيها على الكلام كل من كمال جنبلاط والدكتور ألبير مخيبر والدكتور أمين الحافظ إن المجلس قرر تكليف الحكومة الإنفاق على تعليم أولاده ، في الدرجات الابتدائية والثانوية والعالية الامر الذي ، وإن صحّ ، يظهر، وأمام البلاء الحسن الذي أبلاه أولاد الدكتورانطوان ، ومن بينهم النائب والحاكم ، أنّ المال العام لم يُصرف في غير موضعه الصحيح.
أمّا بعــد ،
نتشارك الليلة مع الدكتور سعيد الحديث عن الطائف في عقده الرابع حيث أراد منظمّو هذه المحاضرة، وعملاً بقول الصّحابيّ المأثور "في حسن السؤال نصف العلم" أن يصيغوا العنوان في صيغة السؤال ، الذي يحتمل بطبيعته التّشكيك، حول الصّلاحيّة والاصلاح ؛ أي بعبارات أخرى، هل ما زال الاتفاق بما نتج عنه من هندسات دستورية ، وقد طوى عامه السادس والثلاثين، صالحاً ، وما هي الاصلاحات الممكنة التي ما زال يكتنزها ولم تر النور بعد.
ولمعالجة هذه المسألة لا بدّ من الانطلاق من مسلمتين:
ـ الاولى هي ان وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها اللقاء النيابي في 22/10/1989 في مدينة الطائف ، بما تضمنته من اصلاح دستوري كشرط لاسترجاع السيادة وانهاء الاقتتال الداخلي ، لم تولد من العدم ، بل هي عصارة حوارات واوراق واتفاقات رافقت مختلف مراحل الحرب الاهلية وأُجهِضتْ على التوالي، فلم يُكتب لها النجاح ابتداءً من الوثيقة الدستورية تاريخ 14 شباط 1976 ومروراً بثوابت الموقف الاسلامي تاريخ 21/9/1983 ووصولاً الى وثيقة الشرع - سالم التي تضمنت مبادئ لحلّ الازمة اللبنانية تاريخ 13 حزيران 1987 ومشروع الكورال بيتش للرئيسين حسين الحسيني وسليم الحص في العام 1988، حيث نجد أن الوثيقة قد تضمنت عبارات وردت بحرفيتها أو معدّلة في مختلف هذه الاوراق . الامر الذي يشي أن الأسس التي قامت عليها الوثيقة لا سيّما في قسمها الاول المتعلق بالمبادئ العامة والاصلاحات إن لناحية شكل الدولة أو هوية الكيان أو طبيعة النظام السياسي وتكوين السلطات الدستورية والعلاقات فيما بينها لم تهبط على المؤتمرين في المصيف السعودي وبالتّالي على اللبنانييّن من فوق ، وتحديداً من جعبة مندوب اللجنة الثلاثية العربيّة العليا المنبثقة عن مؤتمر القمّة العربيّ غير العادي في الدار البيضاء بموجب قراره تاريخ 26 أيار 1989 ، بل جاءت في خطوطها العريضة انعكاساً لقناعة راسخة تولّدت لدى مختلف الاطراف والجهات السياسية والدينية الفاعلة، حينذاك، بأنها تشكّل المرتكز الوحيد المقبول والذي يمكن الركون اليه لإرساء حلّ دائم يعمّ الرّبوع اللبنانية قاطبة، ولإخراج بلد الارز من كبوته وانقساماته ، وهذا ما قدّر له أن يكون .
ـ أما المسلّمة الثانية فتكمن في أن المبادئ عينها التي صاغها الاتفاق قبل ستة وثلاثين عاماً ودخل معظمها متن قانوننا الاسمى باتت في أيامنا هذه ، ومع هبوب رياح التقسيم والتفتيت تمهيداً للاقتتال والتطبيع والتي تلفح المنطقة من تطوان الى عمان ومن سقطرة الى سومطره وسط عالم عربي غارق في أزمة هوية وشرعية ومرجعية، باتت الضمانة الأكيدة لبقاء لبنان الذي نعرفه. فلا يجب أن ننسى ايها السادة أن دستورنا وهو عميد دساتير المنطقة قد عُدّل مراراً إلا أنه بقي عصيّاً على الإطاحة به ممّا يشير إلى رسوخ التقاليد الديمقراطية في بلد أحاطت به العروش والجيوش وحالياً النعوش، وللأسف . فبقي رابضاً صامداً رغم كل محاولات الخرق والمهانة والتجاوز التي تعرّض لها ، ممّا أضفى عليه وقاراً وعلى النظام السياسي الذي يرعاه شرعية، عبر جمهوريات ثلاث متتالية كان آخرها جمهورية الطائف التي جعلت الدستور عبر المقدمة التي اُدخلت عليه وعبر التعديلات الجوهرية التي طالت مواده يترجم خلاصة التجربة اللبنانية على مرّ العقود . فدوّن الاعراف التي سادت سابقاً ، وبعد أن كان الدستور جزءاً من الميثاق الوطني ، بات الميثاق جزءاً من الدستور على ما أكدّ المجلس الدستوري الذي اعتبر أنّ الميثاقية تقتضي الالتزام بالدستور (قرار رقم 6/2014).
وبالفعـل فقد عمدت وثيقة الوفاق الوطني إلى تنظيم وتكريس حكم المشاركة والمؤسسات وأرست نظام القهر المستحيل بعد أن أزالت عوامل الهيمنة، فتمّ تكريس المناصفة في بلد هو وطن نهائي لجميع أبنائه، عربيّ الهوية والانتماء، الوطن الوحيد على وجه البسيطة للعيش المسيحي - الاسلامي المشترك بالتساوي والمساواة بديمقراطية من غير عدّ ولا حساب، بما يخدم الوفاق .
إن هذه المبادئ كلٌ متكامل وشرط واجب وجازم لبقاء الكيان في حدوده الحالية وفي نظامه السياسي ضمن دولة واحدة موحدة، ذات سلطة مركزية قوية ، فأي
مسّ بعامود من هذه الاعمدة يؤدي إلى سقوط البنيان على رأس الجميع . إن المطالبة بتعديل اتفاق الطائف أو تجاوزه عبر المناداة بالمثالثة أو بالغاء الطائفية السياسية حالاً وفوراً أو بالفدرالية كمطية للتقسيم، ستؤدي حتماً إلى زوال ما بات قائماً منذ مئة وخمس سنوات وحجز مكاناً ومكانة له تحت الشمس.
إلّا أنّ هذه الحقيقة الساطعة لا يجب أن تدفعنا الى تحنيط النص الدستوري وتجميده خوفاً من المسّ بالمبادئ التي يكرّسها، فجوهر القضية لا يكمن في التفريق بين من هم مع التعديل أو من هم ضده بل في الغاية من وراء التعديل . لقد بيّنت معاينة الممارسة المديدة عثرات وثغرات تعتري عمل المؤسسات الدستورية وترمي بثقلها على فعالية آلة الحكم في لبنان، ممّا يقتضي معه إيجاد الآليات المناسبة لتفعيل عمل السلطات دون المسّ بأسس المشاركة والمساواة التي كرّسها اتفاق الطائف في إطار دولة مركزية قوية وقادرة ونظام جمهوري ديمقراطي برلماني . إنّ تعديلاً جراحياً، موضعياً ، وهادفاً للنص الدستوري، بات ضرورياً بغية تطوير مسالكه دون المسّ بجوهره من أجل موائمة المشاركة مع الفعالية .
وبعبارات أخرى ، إن المناصفة وحكم المشاركة يؤمّنان للنظام والكيان مشروعّيته ويشيحان عن بلدنا خطر الاقتتال الداخلي ، إلا أنّ فقدان الفعالية والتحجج بالمشاركة للتعطيل يشلاّن آلة الحكم ويستجلبان الويلات الاقتصادية والاجتماعية والتي ستتحول حكماً إلى أزمات سياسية نتيجة مظاهر العجز التي يظهرها النظام فيستغلّها البعض مطية لتحقيق غيّهم في الاستقواء من ناحية وفي الانعزال من ناحية أخرى . كيف لا وقد شهد لبنان في العشرين سنة الاخيرة ست سنوات من الشغور الرئاسي وسبع سنوات من حكومات تصريف الاعمال، فيما باتت الحكومات العاملة معطلة وغارقة في تناقضات أثلاثها المثلثة .
فبدل التعطيل كسلاح يمنع القهر عند وقوع خلاف أو أزمة، ولكنه يودي بالمقابل بالبلاد إلى هلاك، كما شهدنا منذ العام 2019 ، لا بدّ من اعتماد آليات تحسم الخلافات بوسائل لا تشعر الطرف المهزوم بالقهر ، وهذا ما عكفنا عليه مع مجموعة من الاصدقاء في اللقاء الدستوري لمحاولة تقديم مساهمة في ورشة انقاذ البلاد متى أذنت الساعة .
أما وفي حال لم تتوفر الظروف المؤاتية لادخال هذه الاصلاحات الموضعية على الدستور مما يجعل هذا الجهد يرّتد بآثار عكسية عملاً بقول الشاعر :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى
مُضرّ كوضع السيف في موضع الندى
فإنه ، ولأن القاعدة القانونية ليست جامدة، بل هي موضع تفسير وتأويل وتكييف دائم ، ولأن الحكم نصوص وممارسة، ولأنّ المؤسسات تساوي ما يساويه الأشخاص الذين يتولونها ، فإن الجهد يجب أن ينصّب على تفسير مؤات للنص الدستوري، يؤدي إلى تفعيله واعطائه كامل معناه تأميناً لاستمرار السلطة العامة وليس تعطيله وتجريده من مفاعيله.
وسأضرب في هذه الحالة مثلان لا بدّ من الوقوف عندهما ، الأول يتعلق بالعلاقات بين اركان السلطة التنفيذية وتحديداً موقع ودور رئاسة الدولة، والثاني يحاكي العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية .
أمّا بخصوص الحالة الأولى ، فما يلفت الانتباه أنّ الممارسة طيلة العقود الماضية وخلال أربعة عهود رئاسية خلت ، بيّنت التباساً في فهم وتلّمس حقيقة موقع ودور رئيس الجمهورية الذي هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن على ما ورد في مقدمة المادة 49 من الدستور ، المضافة مع تعديل الطائف ، والتي جاءت تدوّن ما سبق أن كرّسه الفقه والاجتهاد في هذا المضمار. وبالفعل ورغم التباين الواضح بين العهود الرئاسية لجهة الموقع والدور تبعاً لاختلاف الرجال والطباع والمراس والظروف ، نجد أنّ هناك سمة عابرة وجامعة تشدّ أزر مختلف اسيادها وهي البحث عن ملء المكان بالمكانة. فصحيح ، ومع حفظ الالقاب طبعاً ، أن الياس الهراوي الأول أي مع كلّ من سليم الحص وعمر كرامي، هو غير الياس الهراوي الثاني مع رفيق الحريري ، وصحيح أن ميشال سليمان جهد في لعب دور ضابط التوازن بين تيارين ومعسكرين ، انقسمت حولهما البلاد ، يبدآن في ساحات بيروت وينتهيان في عواصم قريبة أو أقل قرباً ، وصحيح أيضاً أنّ سمة عهد ميشال عون السعي أن يكون فيه الرئيس شريكاً أول بين شركاء متساوين في الشكل ولكن متفاوتين فعلياً في القوة والحجم والتأثير،وصحيح أخيراً أنّ ما طبع عهد أميل لحود هو الرغبة في إبقاء اليد الطولى معقودة للرئاسة في مختلف الميادين والمجالات، بغض النظر عن تبدّل الحكومات وتغيّر الظروف. إلا أنه يبقى أن ما يجمع بين هؤلاء الرؤساء الاربعة هو المثابرة على محاولة وأْد فكرة أنّ دورهم بات بعد العام 1990 مشابهاً لنظرائهم في إيطاليا أو ألمانيا أو النمسا أو حتى جارتنا الجنوبية. ولعلّ ما يجسّد حقيقة هذا الانطباع لا بل هذه القناعة قول الرئيس الشيخ بشارة الخوري في حفلة استقبال رفاة الامير بشير الثاني الشهابي الكبير في قصر بيت الدين متوجهاً إلى باني الدار ما حرفيته :
" وها أنا ذا بصفة كوني رئيساً للجمهورية اللبنانية ، أقف بكل فخر هذه الوقفة، كحافظ لمجدك ، وقائم على عهدك ، وعابر في دار خلدك ، لم نرممها لنرتع بها ، بل لنعيدها الى صاحبها وبانيها أمانة ، غير منتقص قدرها ، ولا مفرط في حفظها، أمانة لبنان. "
وعليـه، وبقدر ما يستحيل تحويل موقع رئاسة الدولة إلى موقع رمزيّ شرَفيّ، يتمتع ببهارج السلطة دون جوهرها ، يكون من العبث بمكان محاولة رئيس الدولة تقمّص دور الحاكم ، ذلك أنّ هذا الدور، فضلاً عن كونه مستجلبًا للنفور والتصادم، لا يستقيم بتاتاً مع مقتضيات النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، حيث أن مكمن السلطة التنفيذية المناط بها تنفيذ القوانين واصدار الانظمة ورسم السياسة العامة للدولة والاشراف على الادارة والأجهزة الأمنية على اختلافها، يتجلى في مجلس الوزراء الذي يستطيع رئيس الدولة أن يرأس جلساته متى شاء.
إن الدور الحقيقي لرئيس الدولة هو دور الحكم الفاعل الذي تنبثق منه على حدّ قول أعلى محكمة قضائية ادارية "أجلّ المهمات" وأخطرها ، وهي احترام الدستور والقوانين والمحافظة على استقلال البلاد وسلامة اراضيها" . فبدل أن يكون الرئيس شريكاً مضارباً في الحكم يصحّ فيه ما جاء على لسان الأمير de Lignes في وصفه أحد أباطرة النمسا بأنه "لكثرة ما حكم نسي كيف يملك" ، يقتضي تمكينه من لعب دور الحكم بين المؤسسات الدستورية. وفي حال تعذر تعديل الدستور لتمكين رئيس الجمهورية من حلّ مجلس النواب ، وجب الاشارة والتنويه وتعزيز ما كرّسه له الاجتهاد الاداري كنتيجة طبيعية لدوره كحكم وهو دور تأمين السير الطبيعي للسلطات العامة ، فأكد على سبيل المثال تمتّعه بصلاحيتين ضمنيتين، الأولى تكمن في تخويله اصدار مراسيم تعيّن الوزراء بالوكالة بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء، والثانية تخوّله استبدال الحقائب الوزارية للوزراء بناءً أيضاً على اقتراح رئيس الحكومة بعد أن منع الدستور وللأسف إقالة الوزراء، إلا بعد موافقة ثلثي مجلس الوزراء، كما من الأجدى أيضاً التركيز على صلاحيته بردّ قرارات مجلس الوزراء والتي لم يمارسها الرؤساء إلا مرّة واحدة في عهد الرئيس الياس الهراوي ، حيث يصبح الرئيس حينها، وحينها فقط، رئيساً تسلسلياً لمجلس الوزراء .
أمّا الثّانية فتتعلق بما أظهره مرسوم إحالة مشروع القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع من شوائب قد تعتري الممارسة الدستورية.
فمن جهة أولى، ولناحية آلية اتخاذ القرار في مجلس الوزراء بغية اعتماد مشروع القانون المذكور، وبغضّ النّظر عن الهرطقة الموصوفة التي تعتبر موضوع مشروع القانون المذكور عبارة عن خطة انمائية شاملة طويلة الأمد ، هل يجوز أن يصدر عن البعض موقف يجتهد في تفسير ما ورد في الفقرة الاخيرة من المادة 65 من الدستور لناحية المواضيع الاساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثيّ عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها عبر اعتبار أنّ ما ذُكر من مواضيع جاء على سبيل التّعداد لا الحصر، وأنّ هناك بالتالي مواضيع أخرى عديدة تعتبر أساسية ولم يلحظها النص المذكور؟ ممّا يشكّل مثالاً واضحاً على تغليب منطق التّعطيل على منطق تفعيل النّصوص، بحيث يُفسّر الاستثناء المقيّد للصلاحية على اطلاقه بدل أن يُفسّر بنطاق ضيّق ومحصور .
ومن جهة ثانية، هل يجوز أن تبقى الحكومة وبعد ستّ سنوات من الأخذ والردّ حول هذا الموضوع نتيجة الأزمة الهالكة التي مرّ بها لبنان، عاجزة عن التمكّن من اللجوء إلى التشريع الاستثنائي لاصدار هكذا قانون مما يجّنبه التجاذبات داخل أروقة المجلس النيابي، ممّا ينعكس عليه ربما تشويهاً أو حتى رجماً وردماً؟ وكلّ ذلك بحجة تفسير متزمّت للتفويض التّشريعيّ اعتمده المجلس الدستوري دون أن يكون له مرتكزاً كافياً في النص، مستلهماً تجربة الجمهورية الرابعة في فرنسا رغم اختلاف ظروف الحالتين، ممّا جعل فئة المراسيم الاشتراعية ، وباستثناء المجال الجمركي ، تغيب تماماً عن منظومتنا القانونية منذ أربعين عاماَ بالتمام والكمال ، الامر الذي ينسحب أيضاً على مشاريع القوانين المستعجلة موضع المادة 58 من الدستور والتي أُفرغت عملياً من مضمونها، نتيجة اجتهاد خاص يعتمده مجلس النواب في هذا الخصوص.
وفي مطلق الاحوال، إن تفسير مواد الدستور تعزيزاً للفاعلية أمر محمود ومرغوب ومطلوب، إلا أنه يبقى ناقصًا في حال لم يتمّ التطرق إلى مسألة ادخال تعديلات على قانون الانتخاب على ما نصّ عليه اتفاق الطائف في باب الاصلاح . وبالفعل أيها السيدات والسادة ، إنّ نظامنا السياسي هو أولاً وأخيراً نظام جمهوري ديمقراطي برلماني، يعتمد التوزيع الطائفي للمقاعد السياسية على الطوائف وليس بتاتاً نظام ديمقراطية توافقية تتمتع كل طائفة فيه بحق النقض.
وعليـه، يقتضي التوفيق بين مقتضيات التمثيل الطائفي مع مبادئ النظام البرلماني القائم على فصل السلطات وتوازنها وتعاونها ، فتتولى الحكومة التي تتمتع بثقة أغلبية مجلس النواب الحكم تحت رقابة السلطة التشريعية . فلا استقرار ينتظم معه عمل المؤسسات الدستورية بشكل ملحوظ، إلا متى تتموضع الجهات السياسية المختلفة في تيارين أو تكتلين إثنين عابرين للطوائف، يتناوبان على السلطة، فتتكون أكثرية سياسية متعددة الطوائف تتولى الحكم، وأقلية على نفس الدرجة من التنوع تقوم بمهام المعارضة، فتستقيم آلة الحكم ولا يتعرّض الكيان للتصدّع نتيجة شعور طائفة بأنها خارج السلطة. فعلى قول ميشال شيحا ذاته "إنّ الاقليات الطائفية المتشاركة محتاجة، لتبقى متشاركة، إلى تمثيل جماعي". وما هيمنة الكتلتين الدستورية والوطنية على الحياة السياسية في عهد الجمهورية الأولى، والنهج الشهابي من جهة، والحلف الثلاثي وكتلة الوسط، من جهة ثانية، إبّان الجمهورية الثانية، إلّا مثالًا ساطعا على ذلك. إلّا أنّ هذا الاستقرار ما يلبث أن يهتزّ ويتلاشى حيث يفرط عقد هذا البنيان السياسي بجناحيّْ العابر للطوائف، بحيث يصبح على ما نشهد اليوم لكل طائفة حزبها أو تكتل أحزابها ينطق باسمها ويعبّر عن هواجسها ويطالب بالمشاركة في الحكم من منطلق تمثيله الحصري لها الذي يُمنع على أحد منازعته عليه ، فبات تمثيل مجمل هذه التنظيمات، على تناقضاتها، ممراً إلزامياً لتأليف الحكومات التي أمسى يصعب إدارتها متى شُكّلت بعد جهد جهيد، كونها تضم أضداداً ، فيتبخّر فيها مبدأ التضامن الوزاري ، وتصبح آلية اتخاذ القرار وفق ما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور متعثرة إلى أبعد حدود. إن هذا الواقع يقضي أيضاً على مبدأ تداول السلطة مع ما يرافقه من تفشي الفساد كظاهرة طبيعية للاستمرار اللامتناهي وغير المنقطع في الحكم من قبل الجهات عينها. إن قانون الانتخاب مفتاح أساس لتحقيق هذا الهدف ، على ما يشير العلاّمة موريس دو فرجيه في مقدمة كتابه حول الاحزاب السياسية ، وقد قدّر له بفضل الوزير شارل رزق أن يضع في إطار لجنة ضمّتهما إلى الرئيس الياس سركيس والدكتور باسم الجسر تحت رعاية الرئيس فؤاد شهاب شخصياً اقتراح قانون في هذا الصّدد حالت وفاة هذا الأخير بعد أسبوعين من تاريخه من أن يأخذ حقه في النقاش.
ومن الاصلاحات الاخرى التي نصّ عليها إتفاق الطائف إصلاحان أساسيان:
الأول يتطرق إلى مسألة اللامركزية الإدارية التي باتت شمّاعة لدى البعض لولوج باب الانفصال والانعزال، ممّا يقتضي معه التشديد على أن هدف اللامركزية الادارية هو فقط تعزيز الممارسة الديمقراطية المحلية وحسن سير العمل الاداري وليس تقويض السلطة المركزية التي عليها وحدها واجب تأمين انماء متوازن للمناطق ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً بحيث لا تنمو منطقة على حساب أخرى أو قطاع على حساب آخر .
والثاني هو إلغاء الطائفية السياسية عبر ما ورد في المادة 95 من الدستور لناحية تشكيل هيئة وطنية مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية تمهيداً لسلوكها المسلك الدستوري ، حيث يجب أن تتكوّن قناعة عارمة في لبنان أن الضمان الحقيقي للنظام الديمقراطي فيه الكافل للحريات يكمن في التنوع الذي يختص به مجتمعه وأن إلغاء الطائفية السياسية يجب أن يترجم تجاوزاً لها وليس إلغاءً ورقياً لها فتلغى من النصوص وتبقى في النفوس فندخل السجن الكبير أو الكهف السحيق.
